الطفل والأنترنت: التضايف بين حدود التنشئة واستشكالات الإدمان

الطفل والأنترنت: التضايف بين حدود التنشئة واستشكالات الإدمان

مقدمة

وفرت الإنترنت لحقبة زمنية قصيرة نسبيا استخدامات وإشباعات استفادت منها كل فئات المجتمع بمختلف مستوياته واهتماماته، الأمر الذي جعلها الوسيلة الأكثر تمثيلا لمفهوم التثاقف Aculturation وتمثلات الآخر.

ونظرا لما اتسمت به هذه الوسيلة من قدرة على الانفتاح على ثقافة الآخر ووفرة معلوماتية ومعرفية، تجاوزت حدود الجغرافيا وإكراهات اللغة، فقد لاقت إقبالا كبيرا من فئة الأطفال الذين وجدوا فيها عوالم وفضاءات وفرت لهم مساحات تفاعلية، انطلقت بتطلعاتهم نحو آفاق وممارسات جديدة في وظائف اللعب والقراءة والمشاهدة والترفيه والتسلية.

وعلى الرغم من مزايا التجدد الذي أتاحه هذا العالم الفسيح – الإنترنت- وعلى الرغم من الدلالات الجديدة لمفهوم التبيئة الثقافية وأثارها على تنشئة الأطفال، كان لهذه الميديا الجديدة فجواتها المرتبطة بمقولات الهيمنة والاستلاب الفكري لدى فئة الأطفال.

وحتى نتبين حدود هذه المفاضلة بين سياقات التنشئة واستشكالات الإدمان، سنتوجه بدءا إلى استجلاء الملامح السوسيولوجية والنفسية لفئة الأطفال . لنتحدث بعد ذلك على أوجه مظاهر هذه التنشئة وما يقابلها من مخاطر الإدمان.

  1. في توصيف الملامح السوسيولوجية والنفسية للطفل

تشير الطفولة إلى تلك المرحلة العمرية التي تمتد من الولادة إلى مرحلة البلوغ، والتي ترتبط في الفقه الإسلامي ببداية التكليف، المعنى الذي نستشفه من قوله تعالى :  وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ” (سورة النور 59)(1).

من هنا يتضح أن الطفولة هي مرحلة تأسيسية مهمة في حياة البشر وهي ذات أهمية بالغة في تكوين شخصية الإنسان بعد ذلك، بدليل أننا كثيرا ما نعود في تشخيص بعض الأمراض النفسية إلى هذه المرحلة للاستدلال على مواطن الخلل (2).

ولا غرو إذا أن تكون الطفولة بهذه القيمة الحياتية، فهي أولى مراحل النمو وتكوين الشخصية الإنسانية، وهي مرحلة مفصلية من مراحل النمو وهي بداية الخلق والوجود مصداقا لما جاء في قوله تعالى : ” هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ” (سور غافر 67)(3).

واذا كانت الطفولة ترتبط وفقا لما تقره الشريعة الإسلامية ببلوغ الحلم، فإنها في الأحكام الوضعية التي تتبناها بعض الدول تتحدد وفقا لاعتبارات قانونية، ولنا في الاتفاقية التي أصدرتها الأمم المتحدة حول حقوق الطفل وصادقت عليها دولها عام 1990 مثال على ذلك، حيث عرفت هذه الوثيقة الطفل بأنه : “كل إنسان لم يتجاوز سن الثامنة عشرة، ما لم تحدد القوانين الوطنية سنا أصغر للرشد” (4).

واذ يؤكد المختصون على أهمية هذه المرحلة، فإنهم يعدونها الإطار المرجعي الدال على حياة الإنسان كلها (5)” بل إنها طبيا الرحلة التي يمكن للإنسان من خلالها تجنب عديد من الأمراض التي يتم تفاديها باللقاحات الأولية في مثل هذه المرحلة (6).

وغني عن البيان، أن الطفولة ليست مرحلة واحدة متجانسة في سماتها الاجتماعية والنفسية، فهي مرحلة تدل على عدة فترات متباينة، تتكامل فيما بينها لتحديد الملامح العامة لهذه الفئة العمرية (7).

وفي هذا السياق يرى إريكسون Ericksonفي نظريته حول النمو النفسي، أن مرحلة الطفولة تتحدد بحمس فترات أساسية ” هي:

*فترة الوضاعة A1laitement :

وهي الفترة التي تبدأ من الولادة وتنتهي بالفطام، ولهذه الفترة خصوصياتها النفسية والاجتماعية، حيث يتعلم الرضيع اليات إدراك المحيط الخارجي، وتساهم الأسرة في هذا الإطار بشكل كبير في النمو الجسمي والسلوكي للرضيع، ففي ظل غياب حوافز اجتماعية (كالملاطفة) مثلا، يصبح النمو السلوكي للمولود غير متزن أو مضطرب، وهو ما يؤكد الحقيقة العلمية التي تقرن الطفولة البيولوجية بالطفولة الاجتماعية.

*الطفولة المبكرة L’enfance précoce :

وهي الفترة التي تبدأ بانتهاء الرضاع والاستقلال الجزئي عن الأم، حيث يتعلم خلالها الطفل بدايات الاعتماد على ذاته في الأكل والشرب وفي اكتشاف العالم المحيط به، وتعد هذه المرحلة حاسمة في حياة الطفل، ففيها تتكون المحددات الأولية لشخصيته، وعليها يتوقف نموه الفكري والسلوكي (8).

*عمر اللعب : L’Age de jouer

وهي الفترة التي يناشد فيها الطفل فكرة اللعب L’idée de jouer، الذي يكون في بداياته الأولى فرديا ليتحول تدريجيا إلى شكله الاجتماعي، فاتحا بذلك الطريق أمام الطفل لتلمس أول مظاهر الاحتكاك الاجتماعي واكتساب الخبرات .

ونظرا لما لهذا اللعب من أثر على بلورة القدرات الإدراكية والاجتماعية لدى الطفل، فإنه يلازمه إلى مراحل متقدمة من عمره (9).

*عمر المدرسة :L’age d’école

وهي الفترة التي تبدأ من سن التمدرس، والتي تختلف حسب الأنظمة التعليمية في العام، إلى فترة المراهقة، وتسمى هذه الفترة علميا بالمرحلة الحدسية La phase intuitive ، وفيها يتعلم الطفل طرائق التفكير بواسطة الفئات، تصنيف الأشياء على أساس التشابه الموضوعاتي Thématique والتعامل مع مفهوم الرقم Le chiffre وموازنة المعطيات حسب مقاديرها(10).

*المراهقة l’adolescence:

وهي المرحلة التي تصاحبها تطورات جسمانية وتغيرات سلوكية تطرأ على حياة الطفل. كما تتسم هذه المرحلة بالقطيعة مع مرحلة العمليات المادية الحسية التي يحصرها عالم النفس السويسري جان بياجيه Jean Piaget، في الفترة الممتدة من 7 إلى 11 سنة لتتدعم بفترة العمليات الصورية الشكلية الممتدة من 11 إلى 15 سنة، وفي هذا السياق يؤكد بياجيه Piaget على أهمية النمو الإدراكي وعلى مفهوم التراكيب الإدراكية التي يسميها منظومة (11). ويستفاد من أطروحة “المنظومة ” في فهم استعدادات التنظيم والتكيف مع البيئة المدركة (12).

واذا كان لهذا التصنيف الفئوي العمري دوره في تحديد مستوى التطور السيكولوجي والاجتماعي للطفل (13) فإن ما يميز هذه الشريحة عموما، هو أنها فئة ناشدة للهو والترفيه، قابلة للانقياد والتوجيه” الأمر الذي يجعلها أكثر الشرائح الاجتماعية حساسية إزاء الممكنات التواصلية التي يتيحها الإنترنت (14).

إن الحديث عن الممكنات التواصلية للأنترنت وعلاقتها بفئة الأطفال، يقودنا إلى الكشف عما أثاره السجال العلمي من خلاف بين جمهور الدارسين حول تبعات هذه العلاقة، فهناك من يركز فيها على حدود التنشئة والدور التعليمي والتثقيفي للأنترنت، وهناك من يقف على تخوم الإدمان واستشكالاته اللامتناهية.

  1. الطفل والأنترنت: جوانب التماهي مع التنشئة

شكل الأنترنت معطى إضافيا حديثا في حياة الطفل أسهم في عملية استقطابه، وفي إحداث تغييرات ملحوظة في أسلوب حياته، وهي المظاهر التي أجمع المختصون على إدراجها ضمن المنحى التعليمي الذي يتوخى بلوغ عملية التوافق الاجتماعي للطفل وحسن تبنيه للجديد adaptation de l innovation.

إن الأثر التعليمي للأنترنت لا يمكن إغفاله أو التقليل منه (15)، وسواء أكان تعريف “التعليم” مقصورا على ما يتلقاه التلميذ في قاعة الدرس، أم كان شاملا لكل ما يعمل على زيادة قدرات الطفل الفكرية عن طريق المعلومات ذاتها أو القدرة على استعمالها… وسواء أكان التعليم هو تدريب الطفل على التفكير السليم والتصوف الحكيم أم تنمية مهاراته الحياتية … فإن ذلك كله ينتمي إلى حدود التنشئة (16).

إن التنشئة هي عملية تعليمية شاملة، تتعلق بالكيفية التي يحصل بها الفرد على معارف إضافية تؤهله لتكيف أحسن مع محيطه (17) فهي إذا عملية اتصالية بامتياز وهي مكون تثقيفي يساعد الفرد على إيجاد برامج متوازنة Balanced programs في مسار حياته (18).

ولئن كان هذا هو الإطار المفاهيمي الإبستمولوجي للتنشئة، فإن مظاهرها في مجال الإنترنت تتجلى على النحو الآتي:

  • تمكين الطفل من فرص التحديث Modernisation وتبني سياقات نشر وبث Dissémination المعارف والاختراعات والمعلومات والأفكار الجديدة .
  • تأهيل الطفل لمعايشة التحديث والعمل به، وهي السيرورة الاجتماعية التي تدخل ضمن النشاط السلوكي لهذا الطفل، وليس ضمن مجرد تغيير في المعارف والاتجاه فحسب.
  • تدريب الطفل على تفعيل مفهوم المشاركة والتفاعل بدل المشاهدة والتلقي أو التعرض، وهنا تأتي ثنائية صناعة الحدث والتأويل بوصفها خاصية تحل محل التلقي والتفسير(19)
  • توسيع حدود النمو المعرفي الطبيعي للطفل من خلال تفعيل كحل مدركاته، فعلى خلاف التلفزيون مثلا الذي يكتفي من حواس الطفل بالسمع والرؤية، يعمل الإنترنت على ترسيخ مفهوم “المعرفة الطبيعية”، التي تتعزز باستخدام الطفل لكل حواسه أو جلها، فهو يختار يبحث، يحلل، يجرب ويتعلم (20).
  • تدعيم الفعل التعلمي للطفل من خلال تعزيز غريزة حب الاستطلاع التي تجعله يستكشف الجديد في كل يوم، وكذا غريزة المنافسة التي تدفعه إلى النجاح وفرض الذات في مجال ولوج وفهم عوالم الإنترنت – هذا العالم الافتراضي (21).
  • منح الطفل فرص المقابلة بين العالم الواقعي والعالم الافتراضي الذي يتيح تجارب هوياتية Identitaires جديدة لا حصر لها، ففي حالة الألعاب الإلكترونية الشبكية مثلا يمكن للطفل اختيار أسماء جديدة وبناء عوالم افتراضية كثيرة، وهي آلية من آليات العبور بين عوالم الذات وعوالم الكمبيوتر(22).
  • تفعيل استقلالية الطفل في إطار محيطه العائلي، حيث تتحول العائلة من فضاء عائلي قائم على تقاسم التجربة إلى فضاء عائلي فرداني يقوم على فضاءات متقاطعة وعلى زمنية أكثر فردية (23)، هكذا تسهم الإنترنت في تشكيل نمط جديد من الحياة الجماعية يسميه باتربس فليشي pa-trice Flichy “العيش معا منفردين” Living together separately، وهو الذي يعده علماء الاجتماع تدريبا على بناء ذات الطفل المستقلة (24).

إن الإقرار بدور الإنترنت في تدعيم مكتسبات الطفل، وفي تعليمه صيرورة “الفردنة” الاجتماعية، لا يعني في كل الأحوال ديمومة الخطاب “الاحتفائي” لهذا الاتصال الوسائطي، حيث ترى النظرة المتشائمة بشكل معكوس أن الإنترنت يمثل عاملا من عوامل الهيمنة على الطفل ومظهرا من مظاهر استلابه الثقافي، الوضع الذي ينجر عنه فجوات لا تنفصل عن إشكالية الحداثة برمتها (25)، يتعلق الأمر بالتنويه إلى:

  1. الطفل واستشكالاته : الإدمان على الأنترنت

يشير الإدمان Addiction في أبسط تعاريفه إلى الاعتياد على الشيء وعدم القدرة على تركه (26). إنه إذا حالة من حالات التبعية القصوى لمثير ما (27)، وهو إكلينيكيا مرض له أعراضه البدنية والنفسية السلوكية التي تحدد درجاته ومستويات الشفاء منه (28).

واتساقا مع هذه المعطيات، يمكن تعريف إدمان الإنترنت Internet addictionبأنه “الإفراط في استخدام الشبكة والاعتماد عليه اعتمادا شبه تام، يجعل من الانفصال عنه مسألة غاية في الصعوبة ” (29)، حيث يشعر الطفل المستعمل للأنترنت بالاشتياق الدائم له، ويبدي مقاومة فيما لو منع عنه. وتلك هي أهم أعراض الإدمان ولا ريب أن الإدمان، لا يكون بشكل تلقائي وعفوي، ولكنه يشبه في ذلك ضروب الإدمان الأخرى، حيث يبدأ بصورة تدريجية وانسيابية تفتتح بحب الاستطلاع وتنتهي بالإدمان (30)، ويصبح الشغل الشاغل للطفل أو المراهق هو الجلوس أمام شاشة الكمبيوتر والانغماس في دواليبها حتى كأنه أسير أو عبد لهذه الوسيلة.

إن إدمان الإنترنت إطار مفاهيمي متشعب يشمل مختلف السلوكيات والمشكلات، التي تنطوي على عدم القدرة على ضبط الدافع motivation وعدم التحكم في النفس وكبح جماحها (31)، وهو الوضع الذي يعزز فكرة تعامل الطفل مع الأنترنت كأنه امتداد مشروط لعالمه (32 (.

تحيلنا مناقشة مثل هذه التمثلات الاجتماعية والسيكولوجية إلى ضرورة الوقوف على الأشكال المحددة لإدمان الإنترنت، والتي يجملها الخبراء في الفروع التالية:

  1. إدمان الجنس في الفضاء السيبري cyber sexaddiction

وهو عبارة عن استخدام قهري لشبكات الراشدين بحثا عن الفحش والجنس في عالم الإنترنت، حيث يعمل الطفل في ظل غياب المراقبة الأبوية على تصفح المواقع التي تنشر الصور الخلاعية والمعلومات الهدامة المنافية للأخلاق.

  1. إدمان علاقات الفضاء السيبري Cyber relationship addiction

وهو الإدمان الذي يتجسد في حالة الإفراط والمغالاة في بناء علاقات على الإنترنت، بعضها جادة وأغلبها مموه يدخل الطفل في دوامة بناء علاقات والانتماء إلى مجموعات كتلك التي تنتشر في الفيسبوك، ونشر الصور والفيديو وإنتاجها وتقاسمها عن طريق الشبكات المتكاثرة مثل اليوتيوب، وأقصى حدود هذا الإدمان هي تلك التي يتحول بمقتضاها الطفل إلى شريك فاعل في نقاش كوني لا متناه .

  1. قهر النت Net compulsion

مثل القمار على الإنترنت أو التسوق على الإنترنت، وهنا تتأكد حقيقة ما يسميه الخبراء ب “معضلة الاستقطاب”، التي تختزل “معضلة التماهي مع عوالم الإنترنت اللامحدودة”.

  1. عبء المعلومات Information overload

أي البحث القهري على الويب أو قواعد البيانات، وما يلازمها من إرهاق وتشتت فكري يعكس ظاهرة التشظي في أبعادها الأكثر جسامة (33).

  1. إدمان ألعاب الكمبيوتر Games computer addiction

ويتجسد في كثرة اللعب على النت وما يصاحبها من تأثيرات على صحة الطفل البدنية والنفسية وأضرارها الاجتماعية(34). وفي هذا الصدد أكدت دراسة دانماركية حديثة أن لألعاب الكمبيوتر مضار كبيرة على عقلية الطفل، وقد ينتهي به المطاف إلى إعاقة عقلية واجتماعية، حيث أشارت أن مثل هذه الألعاب تشبه مخدر الكوكايين بالنسبة لعشاقها، فبعض اللاعبين لا يستطيعون الامتناع عن لعبها بشكل مرضي” الأمر الذي يتسبب طبيا في حدوث نوع نادر من الصرع لدى الطفل، وعادة ما تتكرر مثل هذه النوبات محدثة خللا في التوازن النفسي والاجتماعي لهذا الطفل أو المراهق (35).

وفي حديثها عن الآثار الاجتماعية لإدمان ألعاب الكمبيوتر ركزت ذات الدراسة، على أن مثل هذه الألعاب تسهم في عزلة الطفل اجتماعيا، فالطفل الذي يقضي ساعات طوالا في ممارسة ألعاب الكمبيوتر بدون تواصل مع الآخرين، يصبح منطويا على ذاته على خلاف الألعاب الشعبية التي تتميز بالتواصل وزيادة فرص الطفل على الانفتاح على دوائر اجتماعية مختلفة : الأتراب، أصدقاء الحي، رفقاء المدرسة … كما أن إسراف الطفل في التعامل مع عوالم الرمز التي تصوغ حدود اللعب على النت، يعزله عن التعامل مع عالم الواقع، ويجعله كائنا فاقدا للمهارة الاجتماعية في إقامة علاقات صداقة أو أية روابط اجتماعية أخرى.

على هذا النحو تسهم ألعاب الكمبيوتر في صناعة طفل يختلف عن الطفل الاجتماعي، الذي يتغذى من أواصر الاتصال الأسري والترابط الإنساني مع الآخرين.

وسواء تعلق الأمر بالدور الذي يوديه الإنترنت في تنشئة الطفل وتأهيله لحياة حداثية Postrnoderne لا مناص منها، أم تعلق بالآثار البعدية Effets différés للأفراط في سوء استخدام الإنترنت، فإننا أمام حقيقة لا خلاف بخصوصها، وهي أننا نتعامل مع جيل جديد له سماته السيكولوجية والاجتماعية والحضارية، جيل أصبح يعرف ب Millennials ، أي ذلك الجيل الذي ولد في بداية القرن الحالي وعاش في كنف الميديا الجديدة التي أصبحت جزءا مهما في حياته، وما على الأولياء والمربين والمختصين الاجتماعيين سوى التعامل مع هذا الجيل الجديد، جيل الإنترنت net generation بمنطق ورؤية حضارية مغايرة تراعيان شروط هذا الاندماج التكنولوجي الحضاري، ونزوع الطفل إلى بناء عالمه الخاص في ظل تنامي استقلاليته الذاتية.

خاتمة : 

نخلص مما سبق أن الرهان الأساسي بالنسبة للفاعلين في محيط الطفل (أولياء، مدرسين، جمعيات …) يتعلق بحل هذه المفارقة القيمية (إيجابي/ سلبي)، من خلال التشديد على سبل المحافظة على هوية هذا الطفل أو المراهق، وفي الوقت ذاته تسليحه بأسباب مواجهة المد العولمي، الذي أصبح واقعا مفروضا في حياته.

من هذا المنطلق تتجلى لنا إلزامية الحسم في العلاقات العضوية بين إكراهات التحولات التكنولوجية والتحولات الاجتماعية، عبر ديناميكية تفعيل آليات الضبط الاجتماعي التي تصون للطفل – هذا الكائن الهش – حرمة انتماءاته السوسيولوجية، وفي الوقت ذاته تؤهله للانخراط في محيط يقوم على إعادة تشكيل تراتبيات اجتماعيه، وظهور أشكال جديدة من المشاركة في الفعل الثقافي والاتصالي.

aliwahab1987

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *